الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
11
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ خبر عن ضمير الشأن المحذوف واللّام الدّاخلة على خبر كُنْتَ لام الفرق بين إِنْ المخففة و ( إن ) النافية . وأدخلت اللّام في خبر كان لأنه جزء من الجملة الواقعة خبرا عن ( إن ) . والضمير في قَبْلِهِ عائد إلى القرآن . والمراد من قبل نزوله بقرينة السياق . والغفلة : انتفاء العلم لعدم توجّه الذهن إلى المعلوم ، والمعنى المقصود من الغفلة ظاهر . ونكتة جعله من الغافلين دون أن يوصف وحده بالغفلة للإشارة إلى تفضيله بالقرآن على كل من لم ينتفع بالقرآن فدخل في هذا الفضل أصحابه والمسلمون على تفاوت مراتبهم في العلم . ومفهوم مِنْ قَبْلِهِ مقصود منه التعريض بالمشركين المعرضين عن هدي القرآن . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنّما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ . فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلّم . ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » ، أي المشركين الذين مثلهم كمثل من لا يرفع رأسه لينظر . [ 4 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 4 ] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) إِذْ قالَ بدل اشتمال أو بعض من أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ سورة يوسف : 3 ] على أن يكون أحسن القصص بمعنى المفعول ، فإنّ أحسن القصص يشتمل على قصص كثير ، منه قصص زمان قول يوسف - عليه السّلام - لأبيه إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وما عقب قوله ذلك من الحوادث . فإذا حمل أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ سورة يوسف : 3 ] على المصدر فالأحسن أن يكون إِذْ منصوبا بفعل محذوف يدلّ عليه المقام ، والتّقدير : اذكر . ويوسف اسم عبراني تقدم ذكر اسمه عند قوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ إلخ في سورة الأنعام [ 83 ] . وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق من زوجه ( راحيل ) . وهو أحد الأسباط الذين تقدم ذكرهم في سورة البقرة . وكان يوسف أحب أبناء